عبد الرحمن السهيلي

110

الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )

بينهم كما قال الله سبحانه : « وأصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُم » الأنفال فكذلك إذا قلت : ذات يده . يريد أمواله ، أو مكتسباته ، كما قال عليه السلام : أرعاه على زوج في ذات يده ، وكذلك إذا قلت : لقيته ذات يوم ، أي : لقاءةً أو مرةً ذات يوم ، فما حذف الموصوف ، وبقيت الصفة صارت كالحال لا تتمكن ، ولا ترفع في باب ما لم يسم فاعله ، كما ترفع الظروف المتمكنة ، وإنما هو كقولك : سير عليه شديداً وطويلاً ، وقول الخثعمي واسمه : أنس بن مالك مدرك : عزمت على إقامة ذات صباح ، ليس هو عندي من هذا الباب ، وإن كان سيبويه قد جعلها لغة لخثعم ، ولكنه على معنى إقامة يوم ، وكل يوم هو ذو صباح ، كما تقول ، ما كلمني ذو شفة ، أي : متكلم ، وما مررت بذي نفس ، فلا يكون من باب : ذات مرة الذي لا يتمكن في الكلام ، وقد وجدت في حديث قيلة بنت مخرمة ، وهو حديث طويل وقع في مسند ابن أبي شيبة : أن أختها قالت لبعلها : إن أختي تريد المسير مع زوجها حريث بن حسان ذا صباح بين سمع الأرض وبصرها ، فهذا يكون من باب : ذات مرة ، وذات يوم ، غير أنه ورد مذكراً ؛ لأنه تشتغل تاء التأنيث مع الصاد ، وتوالي الحركات ، فحذفوها ، فقالوا : لقيته ذا صباح ، وهذا لا يتمكن كما لا يتمكن : ذات يوم وذات حين ، ولا يضاف إليه مصدر ، ولا غيره . وقول الخثعمي : عزمت على إقامة ذي صباح قد أضاف إليه ، فكيف يضيف إليه ، ثم ينصبه ، أو كيف يضارع الحال مع إضافة المصدر إليه ؟ فكذلك خفضه ، وأخرجه عن نظائره ، إلا أن يكون سيبويه سمع خثعم يقولون : سرت في ذات يوم ، أو سير عليه ذات يوم برفع التاء ، فحينئذ يسوغ له أن يقول : لغة خثعم ، وأما البيت الذي تقدم فالشاهد له فيه ، وما أظن خثعم ، ولا أحداً من العرب يجيز التمكن في نحو هذا ، وإخراجه عن النصب ، والله أعلم . لا التي للتبرئة ومحل النصب بها : فصل : وفيه : ولا خير ممّن خصّه اللّه بالحب . وهو مشكل جداً لأن لا في باب التبرئة لا تنصب مثل هذا إلا منوناً تقول : لا خيراً من زيد في الدار ، ولا شراً من فلان ، وإنما تنصب بغير تنوين إذا كان الاسم غير موصول بما بعده ، كقوله تعالى : « لا تَثْرِيب عليكم اليوم » يوسف . لأن عليكم ليس من صلة التثريب ، لأنه في موضع الخبر ، وأشبه ما يقال في بيت أبي طالب أن خيراً مخفف ، من خير كهين وميت من هين وميت وفي التنزيل : « خَيْراتٌ حِسَانٌ » الرحمن هو مخفف من خيرات . عود إلى شرح شعر أبي طالب : وقوله : ممن . من ، متعلقة بمحذوف ، كأنه قال : لا خير أخير ممن خصه الله ، وخير وأخير : لفظان من جنس واحد ، فحسن الحذف استثقالاً لتكرار اللفظ ، كما حسن : « ولكن الْبِرَّ مَنْ آمن باللّه » البقرة . و « الْحَجُّ أشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ » البقرة لما في تكرار الكلمة مرتين من الثقل على اللسان ، وأغرب من هذا قول الله تعالى : « ولو يُعَجِّلُ اللَّهُ للناسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالُهمْ بالْخَيْرِ » يونس أي : لو عجله لهم إذا استعجلوا به استعجالاً مثل استعجالهم بالخير ، فحسن هذا الكلام لما في الكلام من ثقل التكرار ، وإذا حذفوا حرفاً واحداً لهذه العلة كقولهم : بلحرث بنون فلان ، وظللت وأحشت فأحرى أن يحذفوا كلمة من حروف ، فهذا أصل مطرد ، ويجوز فيه وجه آخر ، وهو أن يكون حذف التنوين مراعاة لأصل الكلمة ؛ لأن خيراً من زيد إنما معناه : أخير من زيد ، وكذلك : شر من فلان ، إنما أصله : أشر على وزن أفعل ، وحذفت الهمزة تخفيفاً ، وأفعل لا ينصرف ، فإذا انحذفت الهمزة انصرف ونون ، فإذا توهمتها غير ساقطة التفاتاً إلى أصل الكلمة ، لم يبعد حذف التنوين على هذا الوجه مع ما يقويه من ضرورة الشعر .